صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا أن المراد بالأمة هنا أمة الإجابة، وعلى هذا فالمراد بالاستسقاء بالنجوم هو أيش؟
الثالث: الذي هو نسبة المطر إليها مع اعتقاد أن الفاعل هو الله عز وجل، هذا من أمر الجاهلية، أما إذا اعتقد أحد من هذه الأمة أن النجوم هي التي تفعل وتخلق وهي التي تخلق المطر والسحاب، فهذا شرك أكبر، وليس من الأمة، وكذلك لو استسقى بها دعاها لتنزل المطر فليس من الأمة.
ثالثًا: وقال: (الاستسقاء بالنجوم).
طالب: (...).
الشيخ: ما هي بعندي.
(النياحة على الميت) النياحة قالوا: إنها رفع الصوت بالبكاء قصدًا، والندب تعداد محاسن الميت، وحقيقة أن النياحة رفع الصوت بالبكاء قصدًا، لكن ينبغي أن يضاف إليه على سبيل النوح كنوح الحمام، تعرفون نوح الحمام؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا هو النياحة على الميت، النياحة على الميت من أمر الجاهلية، ولا بد أن تكون في هذه الأمة، وإنما كان من أمر الجاهليه لجهل الإنسان، إما من الجهل الذي هو ضد العلم، أو من الجهالة التي هي السفه وهي ضد الحكمة. لماذا؟ لأن النائح على الميت لا تزيده نياحته إلا شدة وحزنًا وعذابًا.
وثانيًا: لأن النياحة تنبئ عن تسخط من قضاء الله وقدره، فهي اعتراض على قضاء الله وقدره.
وثالثًا: لأن النياحة تهيج أحزان غيره، ولهذا ذكر عن ابن عقيل رحمه الله من علمائنا -من علماء الحنابلة- أنه خرج في جنازة ابنه عقيل، وكان أكبر أولاده وطالب علم، فلما كانوا في المقبرة صرخ رجل فقال: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٧٨]، فقال له ابن عقيل رحمه الله وهو المصاب، قال له: يا هذا، إن القرآن إنما نزل لتسكين الأحزان وليس لتهييج الأحزان، وهذا يهيج الإنسان على البكاء، فالنائح النائحة أو النياحة على الميت تهيج الأحزان من الغير، حتى إن اللي يسمع النائحة هو نفسه ينفعل ويتأثر، فلما كان شرها يتعدى إلى غيرها صار هذا أيضًا من الجهل.
الأمر الرابع: أنه مع هذه المفاسد، هل يرد القضاء هل يرفع ما نزل؟ لا، إذن فهو من الجهل، فلذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ».
وقوله هنا: (النياحة على الميت) يشمل ما إذا كان من رجل أو امرأة، وهو كذلك، وقال صلى الله عليه وسلم: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» ، نسأل الله العافية.
النائحة هي التي تنوح بالبكاء على الميت بصوتٍ عالٍ على وجه النوح، وقوله: «إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا»؛ يعني: فإن تابت قبل الموت تاب الله عليها، وظاهر الحديث أن هذا الذنب لا يكفره إلا التوبة، وأن الحسنات لا تمحوه؛ لأنه من كبائر الذنوب، والكبائر لا تُمْحَى بالحسنات، أو لا؟ الذي يمحى بالحسنات هي الصغائر.
وقوله: «تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» من أين؟ من قبرها، تقام من قبرها و«عَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ»، السربال مثل الدرع: الثوب السابغ، الثوب السابغ يُسَمى سربالًا، والقطران معروف، وهذا ويش يسمونه عندنا؟ الزفت، وبعضهم قال: إن القطران هو النحاس المذاب، والعياذ بالله.
«وَعَلَيْهَا دِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» الجرب معروف: مرض يكون في الجلد يؤرق الإنسان، وربما يقتل الحيوان، «دِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»؛ معناه: كل جلدها يكون جربًا بمنزلة الدرع. إذا اجتمع -والعياذ بالله- قطران وجرب -نسأل الله العافية- زاد البلاء ولَّا لا؟ زاد البلاء (...) يكون الجرب، لو يمسه أدنى شيء تأثر به، فكيف وفيه قطران تشتعل فيه النار والعياذ بالله! هذا يزداد به البلاء والألم، والحكمة من ذلك أنها لما لم تُغطِّي المصيبة بالصبر غُطِّيت بهذا الغطاء -والعياذ بالله- «سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»، فكانت العقوبة من جنس العمل.
يستفاد من هذا الحديث:
أولًا: ثبوت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. كيف؟
طالب: أخبر عن أمر الغيب.
الشيخ: أخبر عن أمر من أمور الغيب، فوقع.
ثانيًا: التنفير من هذه الأشياء الأربعة: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت.
ثالثًا: أن النياحة من كبائر الذنوب؛ لوجود الوعيد، وكل ذنب عليه وعيد في الآخرة فهو من الكبائر.
رابعًا: أن كبار الذنوب لا تكفر بالأعمال الصالحة؛ لقوله: «إِذَا لَمْ تَتُبْ».
والفائدة الخامسة: أن من شروط التوبة أن تكون قبل الموت؛ لقوله: «إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا»؛ لقوله تعالى: ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨]، فما لهم توبة وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ.
الفائدة السادسة: أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة.
وهو كذلك، لكن اختلف أهل العلم هل الشرك الأصغر كغيره من الذنوب داخل تحت المشيئة أو أنه لا يغفر؟
فمن أهل العلم من قال: إنه داخل تحت المشيئة؛ إن شاء الله عذب عليه، وإن شاء غفر.
ومنهم من قال: إنه ليس بداخل، وإنه لا بد أن يعاقب عليه الإنسان. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لإطلاق الآية: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨]، فقال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر.
وبهذا نعرف خطورة الشرك، قال ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا . ليش؟ لأن الحلف بغيره من الشرك، والحلف به كاذبًا من كبائر الذنوب يمين غموس على قول بعض أهل العلم، أو ليست غموسًا على القول الثاني. المهم أن سيئة الشرك أعظم من سيئة الذنب ولو كان من الكبائر.
ومنها: ثبوت الجزاء والبعث، وأن الجزاء من جنس العمل.
قال (ولهما عن زيد بن خالد)..
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
طالب: الراجح (...).
الشيخ: الظاهر ظاهر الآية العموم لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨].
طالب: طيب إذن (...) يعني آدم ما يعلو أن يكون الوعيد عليه (...)؟
الشيخ: الجاهل -بارك الله فيك- كل جاهل فإنه لا ذنب عليه؛ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب: ٥]، وهذه قررناها كثيرًا؛ أن جميع الذنوب التي يفعلها الإنسان جهلًا فإنها لا يترتب عليها آثارها حتى اللي في العبادات ما تفسد العبادة به.
طالب: (...) إذا لم تتب.
الشيخ: إذا لم تتب لأنها عالمة.
طالب: (...) على جهل.
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: هؤلاء إذا لم يعلموا ولم يبلغهم أنهم على ضلال فأمرهم إلى الله عز وجل، وهم في أحكام الدنيا على ظاهر حالهم.
طالب: نحكم عليهم بالكفر؟
الشيخ: نعم، نقول: إن فعلهم هذا كفر.
طالب: لا، هم يعني..
الشيخ: لا، هم ما نحكم عليهم بالكفر مع الجهل، لكن بشرط أن يكون جهلًا مطبقًا؛ بمعنى أنهم ما علموا عن شيء من هذا إطلاقًا، أما لو كانوا يسمعون ولكن يقولون: ها دولا وهابية مثلًا، ما نقبل كلامهم، فهذا ما هو بعذر.
طالب: (...).
الشيخ: لا (...) يجب أنهم يبحثون.
طالب: لا، مثلًا الآن فيه عوام وفيه مشايخ سوء يخبرونهم بأن الوهابية مثلًا يكفرون الناس، ما يحبون الحديث.
الشيخ: نعم، ما يخالف طيب.
طالب: أيش حكم العوام؟
الشيخ: حكم العوام أنه ما دام أنهم سمعوا عن الوهابية -مثلًا- الآن ما لأحد في الحقيقة عذر؛ راديو، وجرائد، وغيرها.
طالب: (...) بلا راديو.
الشيخ: والله على كل حال، المهم أن من بلغته الدعوة دعوة الحق ولكنه تهاون وأصر، فلا شك أنه يُحْكَم له بمقتضى تهاونه.
وأما الإنسان الجاهل الجهل المطبق اللي ما يدري عن شيء أبدًا عاش على أنه مسلم، وهؤلاء المسلمون يعبدون القبور مثلًا، فهذا يقال: هذا مسلم، وأمره إلى الله عز وجل.
طالب: الرجل اللي هو قرأ الآية في حضرة ابن عقيل، ذكرت أن ابن عقيل استنكر عليه المناسبة أن القرآن نزل ليطمئن به وليس للنياحة، ولكن هو لم ينكر عليه التأويل؟
الشيخ: لا، ما أنكر عليه هذا، هو أنكر هكذا هذا لأن الرجل أراد بهذا.. يعني أراد المعنى أنه يعني (...) هذا أراد الذي أراد هذه الآية.
(ولهما عن زيد بن خالد رضي الله عنه، قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية)، قوله: (صلى لنا)؛ أي إمامًا، إذا قال: (صلى لنا)؛ يعني إمامًا، وإنما قال: (صلى لنا) لأن الإمام يصلي لغيره، ولهذا يتبعه المأمومون، وكذلك لا يدعو بدعاء يختص به لنفسه إذا كان مما يؤمن عليه، لو جاء واحد مثلًا في القنوت في الوتر وقال: اللهم اهدني فيمن هديت، واللي وراءه يقولون؟
طلبة: آمين.
الشيخ: آمين، نقول: هذا ما يجوز، هذا خيانة لهم، بل تقول: اللهم اهدنا، وتقول لكم جميعًا؛ لأنك تصلي لهم.
ثانيًا: وقيل: إن اللام بمعنى الباء، والأمر في هذا قريب؛ يعني إن جعلت اللام للتعليل، والمعنى: صلى لأجل أن نتبعه، فهو إمامنا، فصحيح، وإن جعلت اللام بمعنى الباء، فصحيحٌ.
وقوله: (صلاة الصبح)؛ أي الفجر.
وقوله: (في الحديبية) فيها لغتان: الحُديبيَّة، والحُديبيَة، والتخفيف أكثر، وهي اسم بئر سُمي بها المكان، أصلها بئر يُسَمَّى حديبية، وقيل: إن أصلها شجرة حدباء، ولكن الأكثر أيضًا على أنها اسم بئر سمي بها المكان، هذا المكان قريب من مكة؛ بعضه من الحل، وبعضه من الحرم.
ونزل به الرسول صلى الله عليه وسلم في عام كم؟ ست من الهجرة، قدم إلى مكة معتمرًا، ولكن صده المشركون عن بيت الله الذين ما كانوا أولياءه إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال: ٣٤]، لكن هم صدوا النبي عليه الصلاة والسلام، والقضية مشهورة معروفة، الحديبية الآن ويش تسمى عند العامة؟
طالب: شُمَيْسًا.
الشيخ: إي نعم، يسمونها شُمَيْسًا، اسمها شُمَيْس معروفة بطريق جدة.
(قال: على إثر سماء كانت من الليل) الإثر العقب، والأثر ما ينتج عن السير، ففرق بين إثر الشيء وأثر الشيء؛ الأثر مطاط الإنسان -مثلًا- أو البعير أو ما أشبه ذلك، هذا يسمى أثرًا، ولهذا قيل: الأثر؟
طالب: يدل على المسير.
الشيخ: يدل على المسير، هذا أعرابي يقولون له: أنت تعرف الله؟ قال: نعم. قال: بِمَ عرفت الله؟ قال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير. شوف أعرابي ما عرف الله (...)، قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألَا تدل على السميع البصير؟ ويش الجواب؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى تدل عليه وأعظم دلالة، من يخلق هذه البروج في السماء؟ ومن يخلق هذه الفجاج في الأرض؟ ومن يخلق هذه البحار العظيمة التي أمسكها الله بقدرته؟ قال الله تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطور: ٦].
قال بعض المفسرين: المسجور؛ يعني: الممنوع عن الفيضان على اليابس من الأرض، لولا قدرة الله عز وجل أمسكت هذا البحر كان يفيض؛ يعني ما فيه ماء إذا جيت البحر واليابس، وجدت فيه حدودًا أبدًا والأرض كروية، ولكن الذي أمسكه جل وعلا من خلقه وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ [الطور: ٦، ٧].
إن بعض أهل العلم أخذ من ذلك أن التضعيف -تضعيف الصلاة- لا يختص بالمسجد، وذكرنا فيما سبق أن هذا لا دليل فيه.
يقول: (صلى بنا صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل) (على إثر سماء) (إثر) بمعنى عقب، وهناك فرق بين (الإثر) بالكسر والسكون وبين (الأثر) بفتحتين؛ (الأثر) موضع القدم في المشي يُسَمَّى أثرًا. و(الإثر) بمعنى العقب عقب الشيء؛ يعني ما يأتي عقبه.
وقوله: (سماء) المراد بالسماء هنا المطر، وهو على رأي المجازيين؟
طلبة: مجاز.
الشيخ: مجاز مرسل أو لا؟ ويش علاقته؟
طالب: سببية.
الشيخ: لا، غير السببية.
طالب: المكان؛ مكانية.
الشيخ: المحلية؛ عبَّر بالمحل عن الحال، (كانت من الليل) الظاهر المحلية.
طالب: (...).
الشيخ: لا؛ لأنه ما كان سماء في الأول.
طالب: (...).
الشيخ: إلا، محلها العلو لا شك، هو ينزل من السماء كما قال عز وجل: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الأنعام: ٩٩].
قال: (كانت من الليل) الظاهر -والله أعلم- أن (من) لابتداء الغاية، ويحتمل أن تكون (من) بمعنى (في) للظرفية.
(فلما انصرف أقبل على الناس) (انصرف)؛ أي: من صلاته، وليس المراد انصرف من مكانه، بدليل قوله: (أقبل على الناس).
فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» هذا الاستفهام المراد به التنبيه، وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أنهم ما يدرون ماذا قال الله؛ لأن الوحي لا ينزل عليهم، لكن المراد به التنبيه والتشويق؛ يشوقهم عليه الصلاة والسلام وينبههم بما سيلقي عليهم.
وقوله: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» هذه بمعنى هل تعلمون، (قالوا: الله ورسوله أعلم)، وقوله: «مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» نريد أن نرجع بعض الشيء إلى إعراب (ماذا)، من يستطيع يعربها؟
طالب: أقول: فيها أوجه: أنها مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وما بعده خبر.
الشيخ: صح.
طالب: أو نقول: إنها اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
الشيخ: نعم.
طالب: و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر.
الشيخ: اسم إشارة؟
طالب: لا، اسم موصول.
الشيخ: اسم موصول بمعنى؟
طالب: بمعنى (الذي).
الشيخ: (الذي) نعم.
طالب: خبر.
الشيخ: خبر، وجملة (قال)؟
طالب: صلة الموصول (...).
الشيخ: صلة الموصول (...)، هذان وجهان.
طالب: أو نقول: (ما) أيضًا صلة مبتدأ، ولام الغائب..
الشيخ: نعم.
طالب: زائدة، لا إعراب لها.
الشيخ: زين، زائدة، لا إعراب لها، وتقول (ما) اسم استفهام؟
طالب: نعم.
الشيخ: صح، طيب.
طالب: الأقوال أيها أرجح؟
الشيخ: الظاهر (...)؛ يعني القول بزيادة (ذا) هو أضعفها.
وقوله: «مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» هذه الربوبية الخاصة ولَّا العامة؟ هذه الربوبية الخاصة؛ ربوبية الله عَزَّ وجَلَّ للمؤمن خاصة، كما أن عبودية المؤمن له خاصة، ولكن الخاصة لا تنافي العامة؛ لأن العامة تشمل هذا وهذا، ولكن الخاصة تختص بالمؤمن.
(قالوا: الله ورسوله أعلم) وهذه الجملة تتضمن أنه لا علم عندنا، الله ورسوله أعلم، وهنا إشكال معنوي وإشكال نحوي.
أما الإشكال النحوي: فإن (أعلم) خبر (الله ورسوله)، وهي مفرد أخبر بها عن اثنين، فكيف يصح هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: وغير؟
طالب: أو باعتبار المعنى.
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: إذا نويت معنى (منا)، وهذا اسم تفضيل مجرد من (أل) والإضافة، فيلزم فيه، ويش يلزم فيه؟
طلبة: الإفراد والتذكير.
الشيخ: الإفراد والتذكير إذا نويت معنى (منا)، وهذا لا شك أنه ينوي معنى (منا)؛ يعني: الله ورسوله أعلم منا.
الإشكال المعنوي: أنه هنا جُمع بين الله عز وجل وبين رسوله صلى الله عليه وسلم بالواو، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت، أنكر عليه وقال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟!» ، وهنا أقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على قولهم: الله ورسوله أعلم، فكيف نوفق بين هذا الحديث وبين الحديث الآخر اللي فيه الإنكار؟
طالب: نقول: هنا هذا أمر شرعي، ونزل كذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول يعلم بهذا الأمر، وهذا الأمر الذي قال له الرجل: ما شاء الله وشئت، هذا أمر كوني، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الأمور الكونية.
الشيخ: طيب صح، نقول: لا يعلم الكونية، أو ليس له شأن في الأمور الكونية، إي نعم.
قال: (الله ورسوله أعلم)؛ يعني: ولا علم عندنا، قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ»، «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي» هذا الحديث يُسمِّيه أهل الحديث حديثًا قدسيًّا، من القُدس؛ لنسبته إلى الله عز وجل، وهو في مرتبة بين الحديث النبوي وبين القرآن.
واختلف أهل العلم هل أنه من قول الله عز وجل لفظًا ومعنًى، أو أنه من قول الله تعالى معنى والألفاظ من النبي صلى الله عليه وسلم؟ على قولين لأهل العلم في ذلك؛ أما القرآن فأهل السنة متفقون على أنه قول الله لفظًا ومعنًى.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، إي والذين قالوا: إنه من قول الله لفظًا ومعنًى قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: (قال)، والأصل أنه إذا قال: (قال)، فإن ما بعده يكون مقولًا له باللفظ، وعلى هذا فيكون من قول الله عز وجل.
والذين قالوا: إنه ليس من لفظ الله أجابوا عن ذلك، فقالوا: لو جعلناه من لفظ الله عز وجل لكان أعلى سندًا من القرآن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام هنا يرويه عن الله، والقرآن أخذه عمَّن؟ عن جبريل، فيكون أعلى سندًا، وهذا يستلزم أن يكون أثبت من القرآن، وإن كان القرآن أيضًا ثابت ما فيه إشكال، لكن حسب علو الإسناد ونزوله لا شك أن العالي أعلى.
ثانيًا: لو كان من كلام الله لفظًا ومعنًى لكان معجزًا؛ لكان من المعجزات، وليس من الأمر شيء معجز إلا القرآن، وإنما نقول ذلك لأن كلام الله عز وجل ليس كلام البشر، ولا يمكن أن يأتوا بمثله كسائر صفاته، وإنما قال الله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: ٨٨]. لماذا؟ لأنه كلامه، وكلامه صفة من صفاته، ولا يمكن لصفات المخلوقين أن تشبه صفات الخالق.
ثانيًا: لو كان من كلام الله عز وجل لكان متعبدًا بتلاوته، ومن المعلوم أنك لو قرأت في الصلاة هذه الأحاديث القدسية يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، ولا يشرع، ولو كان من كلام الله لشرع ولكان مثل القرآن، وأيضًا أجمع العلماء على أنه يجوز أن يتلوه الإنسان وهو جنب، وأن يمس الأحاديث القدسية على غير طهارة، وأنه يجوز بيعها وشراؤها، على خلاف في بيع المصحف وشرائه، فلا تثبت له أحكام القرآن.
بقي عندنا الدليل الذي استدل به من قال: إنه كلام الله لفظًا ومعنى، وهو نسبة الرسول صلى الله عليه وسلم هذا إلى الله: قال الله، يقول الله، وما أشبه ذلك.
وهذا أمر بسيط الجواب عنه: لأن الرسول نقله بالمعنى، مثلما أن الله تعالى يقول عن موسى: قال موسى، وقال فرعون، وما أشبه ذلك، ونحن نعلم علم اليقين أن فرعون وموسى والأنبياء السابقين ما قالوا هذا اللفظ، وإنما قالوا معنى هذا اللفظ، والله تعالى ينسبه إليهم لأنهم لا يقرؤون باللغة العربية ولا يتكلمون باللغة العربية.
وعلى كل حال: لو أن أحدًا قال: نحن نقول في الحديث القدسي: قال الله تعالى، ونسكت، ما نتعمق ونقول: لفظ أو معنى، وإن كان لا شك عندنا أنه ليس كالقرآن، إنما هو منزلة بين منزلتين: بين الحديث النبوي وبين القرآن.
طالب: شيخ، مثل إذا إنسان يسأل عن مسألة هو لا يعلمها، فالأحسن يقول: الله ورسوله أعلم ولَّا..؟
الشيخ: في الأمور الشرعية نعم، في الأمور الشرعية تقول: الله ورسوله أعلم في الأمور الكونية، تقول: الله أعلم؛ لأن الرسول ما يعلم، لو قال قائل مثلًا: هل ستمطر غدًا؟ أيش تقول؟
طلبة: الله أعلم.
الشيخ: أو الله ورسوله؟
طلبة: لا.
الشيخ: الله أعلم، لكن لو قال: هل هذا مباح؟ هل هذا واجب؟ تقول: الله ورسوله أعلم.
طالب: (...) توفي يعني.
الشيخ: إي، لكن كل الأحكام الشرعية معلومة عند الرسول عليه الصلاة والسلام، جميع الأحكام الشرعية معلومة عنده، ومنها هذه المسألة مثلًا.
طالب: أو أحسن يقول: (الله أعلم) في كل الكلام؟
الشيخ: الأحسن والأسوأ، هذا شيء آخر، إنما يجوز أن تقول: الله ورسوله أعلم في الأمور الشرعية، في الأمور الكونية ما يجوز.
وأيضًا أنت الآن لو سئلت: هل أنت أعلم أم الرسول بالحكم الشرعي؟
طالب: الرسول أعلم.
الشيخ: الرسول أعلم، إذن فالله ورسوله أعلم؛ أعلم مني وأعلم منك.
طالب: ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يجهل بعض المسائل؟
الشيخ: نعم.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، صحيح، لكن الله قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] جميع ما يتعلق بالدين، الآن كامل ما يحتاج إلى شرع ينزل كاملًا.
طالب: الأشياء الجديدة؟
الشيخ: الأشياء الجديدة لا بد لها أصل فيما علمه الرسول عليه الصلاة والسلام، لا بد أن لها أصلًا من الشريعة فيما علمه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله أنهى الأمر الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣].
طالب: (...)؟
الشيخ: ما فيه أحد نبي عربي إلا محمد عليه الصلاة والسلام، الباقون كلهم بغير العربية.
طالب: إبراهيم؟
الشيخ: إبراهيم يتكلم بغير العربية.
طالب: إسماعيل؟
الشيخ: إسماعيل إي نعم، إسماعيل يتكلم العربية، ظاهر أنه يتكلم بالعربية؛ لأنه جاءه عرب ونزلوا عنده وتكلم بها.
طالب: والعرب البائدة -يا شيخ- صالح وهود؟
الشيخ: والله ما أدري، إنما العرب المستعربة ما فيهم إلا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ [الجمعة: ٢]، واللغات السابقة العربية الأصلية ما ندري، عاد هي بمثل لغتنا هذه اللغة العربية أو تختلف، قد تختلف في بعض الكلمات. قال: (الله ورسوله أعلم).
قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ» هذه صفة لموصوف محذوف، التقدير: عبد مؤمن وعبد كافر. ويش إعراب: أصبح من عبادي عبد أو مؤمن؟ (أصبح) أقول: من أخوات (كان)، و(مؤمن) يكون؟
طلبة: فاعلًا.
الشيخ: وراء.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ناقصة؛ لأن معناه صار: من عبادي مؤمن؛ لأن المراد التحول من حال إلى حال، ويبقى المراد: أصبح زيد، بمعنى دخل في الصباح؛ لأن هذا وصف، وما دام الوصف معناه أنه انتقال من حال إلى حال.
طالب: (...).
الشيخ: على ما..
طالب: على أنها تامة.
الشيخ: وهو؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما في هذا حتى أصبح مؤمنًا وأصبح كافرًا، نفس الشيء؛ يعني (أصبح) مثلما جاء في الحديث: «يُمْسِي الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، وَيُصْبِحُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا» ، لا، الظاهر أنها ناقصة، وقوله: «مُؤْمِنٌ» اسمها، و«مِنْ عِبَادِي» خبرها؛ يعني: أصبح عبد مؤمن كائنًا من عبادي، ويجوز أن يكون (أصبح) فعلًا ماضيًا ناقصًا، واسمها ضمير الشأن؛ يعني: أصبح الشأن، ونجعل «مِنْ عِبَادِي» خبرًا مقدمًا، و«مُؤْمِنٌ» مبتدأ مؤخر؛ يعني: أصبح شأن الناس منهم مؤمن ومنهم كافر.
ثم فصَّل فقال: «فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ» .
«فَأَمَّا مَنْ قَالَ» بلسانه وقلبه، «مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ» الباء هنا للسببية، «وَرَحْمَتِهِ» والفضل بمعنى العطاء والزيادة، والرحمة معروفة هي صفة من صفات الله سبحانه وتعالى يكون بها الإنعام والإحسان إلى الخلق، «فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ» «مُؤْمِنٌ بِي»؛ لأنه نسب هذا المطر إلى أي شيء؟
طلبة: إلى الله.
الشيخ: إلى الله عز وجل؛ إلى فضله ورحمته، «كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ»؛ لأنه لم ينسبه إليه، ولم يَرَ للكوكب تأثيرًا في نزوله، بل إنما نزل؟
طلبة: بفضل الله.
الشيخ: بفضل الله ورحمته.
وأما من قال: «مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»، اللي يقول: «مُطِرْنَا بِنَوْءِ»، الباء هنا للسببية، «بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» «كَافِرٌ بِي» لأنه أنكر نعمة الله ونسبها إلى سبب لم يجعله الله سببًا، فتعلقت نفسه الآن بالله ولا بهذا السبب؟
طلبة: بهذا السبب.
الشيخ: بهذا السبب، ونسي نعمة الله عز وجل، وهذا الكفر ليس كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأنه كفر دون كفر؛ إذ إن المراد به نسبة المطر إلى النوء على أنه سبب وليس إلى النوء على أنه فاعل؛ لأنه شرك، قال: مطرنا بنوء، ما قال: أنزل علينا المطر نوء كذا.
لأن من الناس من قال: إن هذا لا يدل على تحريم نسبة المطر إلى النوء نسبة سبب، وإنما المراد نسبة المطر إلى النوء نسبة إيجاد، وهذا غلط؛ لأنه لو كان نسبة إيجاد لقال؟
طلبة: أنزل.
الشيخ: أنزل المطر النوء، ما قال: مطرنا؛ لأن المطر معروف أن الذي ينزله الله، لكن جعل (مُطِرنا بنوء) الباء للسببية، فعلم أن المراد بالحديث من أقر بأن الذي خلق المطر وأنزله هو الله، لكن النوء جعله سببًا، وعلى هذا فيكون من باب الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.
وقد سبق لنا في أول الباب أن الاستسقاء بالأنواء له؟
طلبة: ثلاثة أقسام.
الشيخ: له ثلاثة أقسام، وما المراد بالكوكب؟ المراد به النجم، وكانوا ينسبون الأمطار إليها، ويقولون: إذا سقط النجم الفلاني جاء المطر، إذا طلع النجم الفلاني جاء المطر، وما أشبه ذلك، وليسوا ينسبونه إلى هذا نسبة وقت لكن نسبة سبب الوجود، فصارت النسبة في الحقيقة إلى الأنواء نسبة خلق وإيجاد، ونسبة سبب، ونسبة وقت، فنسبة الخلق والإيجاد؟
طلبة: شرك أكبر.
الشيخ: أنها شرك أكبر، ونسبة السبب شرك أصغر، ونسبة الوقت فهذه جائزة؛ بمعنى أنه جاءنا في هذا النوء، جاءنا في هذا النوء.
ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز في نوء كذا، في نوء كذا، وفرَّقوا بينهما بأن الباء للسببية، و(في) للظرفية، ومن ثَمَّ قال بعض أهل العلم: إنه إذا قال: (مُطِرْنا بنوء) جاعلًا الباء للظرفية، فإن هذا جائز، وهذا وإن كان له وجه من حيث المعنى، لكن لا وجه له من حيث اللفظ؛ لأن لفظ الحديث: «مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا».
والباء للسببية أظهر منها للظرفية، صحيح أنها تأتي للظرفية؛ مثل قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]؛ يعني: وفي الليل، لكن كونها للسببية أظهر، والعكس بالعكس، فـ(في) للظرفية أظهر منها للسببية، وإن كانت تأتي للسببية كما في قوله: «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ لَهَا حَبَسَتْهَا» .
والحاصل أن الأقرب المنع من (مُطِرْنا بنوء كذا) ولو قصد الظرفية، لكن إذا كان الإنسان المتكلم لا يعرف من الباء إلا الظرفية مطلقًا ولا عنده أنها سببية، فهل نقول: إن هذا جائز؟ يعني هو ما يعرف أبدًا إلا أنها للظرفية، مثل عندنا العامة الآن يقولون: جانا (...) ما عنده إلا أن الباء هنا؟
طالب: ظرفية.
الشيخ: ظرفية؛ يعني في ها الوقت جاءنا في هذا الوقت، نقول: هذا جائز؛ لأنه لا يدور في خيالهم أنها للسببية، ومع ذلك الأولى أن نقول لهم: قولوا (في) (...).
لكن كأني بأهل القصيم يقولون: حتطيتونا من أهل الجنوب، نقول: ما يخالف، ما دام أن هذا هو الموافق للألفاظ العربية الفصحى فالحمد لله، المقصود أننا نعبِّر تعبيرًا لا شبهة فيه، إنما العامة ما نقول لمن قال: مطرنا (...) وما أشبه ذلك، ما نقول: إن هؤلاء مشركون ولا شركًا أصغر؛ لأن السببية عندهم هنا مفقودة أصلًا ولا يعرفونها، ما يعرفون أبدًا إلا الظرفية إطلاقًا، إنما الأولى أن نقول: قل: (في)، ولهذا الفقهاء رحمهم الله في باب الاستسقاء ذكروا: يجوز في نوء كذا، ويحرم بنوء كذا.
طالب: ولكن (...) قد تمنع على مدى أجيال (...).
الشيخ: لا، إنما الأعمال بالنيات، فهذا المثل ما طرأ على بالهم، هذا بس نعدل الألفاظ ونقول: ينبغي أنك تقول: (في).
قال: (ولهما من حديث ابن عباس معناه)، قوله: (ولهما) الظاهر -والله أعلم- أنها سبق قلم من المؤلف، الحديث الذي أشار إليه في مسلم وليس في الصحيحين، نبَّه على هذا الشارح.
قال: (ولهما من حديث ابن عباس معناه)، وفيه: (قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا) ، يعني: لما نزل المطر بعضهم نسبه إلى رحمة الله وإلى فضل الله، وبعضهم قال: لقد صدق نوء كذا، فكأنه جعل النوء هو الذي المطر أو نزل بسببه.
ومنه ما يذكر في بعض الكتب، بعض كتب التوقيت يقول: وقل أن يخلف نؤوه، أو وهذا نؤوه صادق، توجد هذه في بعض الكتب اللي يكتبون المواقيت، هذا غلط، هذا ما يجوز، هذا هو ما أنكره الله عز وجل على عباده، فقل ما يخلف، ما هو بصحيح؛ لأنك الآن نسبت الإيجاد إلى هذا النوء، أو يقول: إن هذا نؤوه صادق، أو هذا نوء صادق، أو ما أشبه ذلك، هذا محرم ولا يجوز؛ لأنه واضح المعنى.
طالب: وهذا يوجد عند بعض العامة يقولون (...)؟
الشيخ: إي، ما يجوز.
طالب: أو يقولون كذبًا ما وافق.
الشيخ: لا، هذا ما يجوز؛ لأنه واضح المعنى.
طالب: لكن يعني شرك أو..
الشيخ: شرك أصغر، نعم.
طالب: ولو قال: بإذن الله.
الشيخ: ولو قال: بإذن الله، لا يقوله مطلقا؛ لأن اللي يعتقدون أنه سبب، يعتقدون أنه بإذن الله؛ لأن كل الأسباب من الله عز وجل.
طالب: شيخ (...)؟
الشيخ: لا، هذا الظاهر ما فيه بأس؛ لأنه بعض الأحيان بإذن الله يكون البروق، البرق الخلب اللي يقولون، هذا برق، لكن ما فيه ماء، برق من غمام خفيف جدًّا، ما يوجد فيه ماء، فهو إذا قصد بهذا المعنى ما فيه بأس من صادق؛ يعني أنه من غمام يحمل ماءه.
طالب: (...) «مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ»، طيب الكوكب ليس آية من آيات الله عز وجل؟
الشيخ: بلى، قال: فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمراد الآيات: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ [الواقعة: ٧٥، ٧٦، ٧٧]، فقال بعضهم: إنها نافية، وقال بعضهم: إنها للتنبيه؛ (لا) للتنبيه، الذين قالوا: إنها للنفي قالوا: إن المنفي محذوف، وقال آخرون: إن المنفي هو القسم، فانقسم القائلون بأنها للنفي إلى قسمين:
قسم قالوا: إنها داخلة على منفي محذوف، وقسم آخر قالوا: إنها نافية للقسم، لَا أُقْسِمُ [الواقعة: ٧٥]؛ يعني: ما أنا بمقسم.
الذين قالوا: إنها داخلة على منفي محذوف قالوا: إن التقدير لا صحة لما تزعمون من أن القرآن كذب وسحر وشعر وكهانة أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِإِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فجعلوا المنفي؟
طالب: محذوفًا.
الشيخ: محذوفًا، ويش التقدير؟
طالب: سبحان الله!
طلبة: لا صحة لما تذكرون.
الشيخ: لا صحة لما تذكرون أو تزعمون من أن هذا القرآن سحر وكهانة وشعر، أقسم إنه لقرآن كريم، يصير (أقسم) ما لها علاقة بـ(لا)، ما لها علاقة إطلاقًا.
والقول الثاني: أن (لا) نافية، وأنها داخلة على (أقسم)، فالمنفي القسم؛ يعني: لا أقسم ولا أنا بمقسم، ليش؟ لأن الأمر أبين من أن يحتاج إلى قسم، لا أقسم على أن القرآن قرآن كريم تنزيل من رب العالمين، ما أنا بمقسم على هذا، ليش؟
طلبة: (...).
الشيخ: لأن الأمر أبين وأوضح من أن يحتاج إلى قسم.
وهذا الأخير ضعيف جدًّا، والأول له بعض الشيء له بعض الوجهة، وإن كان قد لا يتأتى بكل ما كان على هذه الصيغة.
القول الثاني في المسألة: أن (لا) للتنبيه، ما هي للنفي، وهذا هو الصحيح، وعلى هذا فالجملة بعدها مثبتة ولَّا منفية؟
طلبة: مثبتة.
الشيخ: مثبتة؛ لأن (لا) بمعنى انتبه، أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِإلى آخره، وهنا أقسم المقسم من؟ الله عز وجل، وهو سبحانه وتعالى صادق فيما يخبر به أقسم أم لم يقسم، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: طيب، إذن ما الفائدة من القسم؟ لأنه إن كان الإنسان مؤمنًا سيصدق بدون قسم، وإن كان جاحدًا، فلو أتيته بكل آية ما آمن، ويش الفائدة من القسم؟!
فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ٧٥، ٧٦].
أولًا: قوله: لَا أُقْسِمُهذه (لا) اختلفوا في المنفي؛ فقيل: إنه القسم، وإن الأمر لا يحتاج إلى القسم، فلا أقسم عليه. ولا شك أن هذا ضعيف.
يليه في الضعف: أن المنفي محذوف، التقدير؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا صحة لما تزعمون، وعلى هذا فيكون القول الثاني أن (لا) ليست نافية، وأنها للتنبيه هو الصحيح، والقسم مثبت ولَّا لا؟ مثبت، قال الله تعالى: لَا أُقْسِمُ.
أوردنا إشكالًا على القسم، قلنا: إذا كان الله عز وجل صادق، وهو صادق جل وعلا أقسم أم لم يقسم، فما فائدة القسم؟ لأنه إن كان القسم تجاه قوم يؤمنون بالله ويصدقون بكلامه فلا حاجة إليه، وإن كان القسم تجاه قوم لا يؤمنون به ولا يصدقون بكلامه فلا فائدة منه؛ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [البقرة: ١٤٥].
هذا إشكال وارد فما الجواب عليه؟ طيب هذا (...).
طلبة: (...).
الشيخ: طيب.
طالب: للمؤمن ليزداد -يا شيخ- إيمانًا قول إبراهيم: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
الشيخ: طيب.
طالب: يقولون: إن إقسام الله عز وجل بمواقع النجوم، ثم ذكر القرآن يدل على عظم هذا الشأن؛ يعني على أن الأمر ليس بهين (...).
الشيخ: إي.
طالب: (...) للمؤمنين.
الشيخ: نعم.
طالب: زيادة يقين.
الشيخ: زيادة يقين (...).
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: وللكافرين لتقوم عليهم الحجة قبلها.
الشيخ: طيب.
طالب: نقول: إن الإقسام إما ليكون جاء لتأكيد الخطاب المنزل (...) بـ(إن) وغيره.
الشيخ: يعني كأنك تقول: إن هذا أسلوب من أسلوب العرب.
طالب: نعم (...).
الشيخ: لتأكيد ما ينبغي تأكيده.
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وجرى على أسلوب العرب، فعندنا الآن الإقسام الجواب عن هذا الإيراد من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن هذا أسلوب عربي تأكيد الأشياء بالقسم وإن كانت معلومة عند الجميع، أو كانت منكرة عند المخاطب أنه يؤكد بالقسم، هذا جريًا على أيش؟ على الأسلوب العربي، والقرآن -كما هو معلوم للجميع- نزل بلسان عربي مبين.
ثانيًا: بالنسبة للمؤمن يزداد يقينًا بذلك، ولا مانع من زيادة المؤكدات التي تزيد في يقين العبد، ومن ذلك قول إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
الوجه الثالث: أن ما يقسم الله به عز وجل فإنه إنما يقسم بأمور عظيمة دالة على كمال قدرته وعلمه وحكمته وعظمته، فكأنه يقيم بهذا المقسم به البراهين على صحة ما أقسم عليه؛ لأن كل ما يقسم الله به فهو أمر عظيم، فيكون في ذلك دلالة على صحة ما أقسم عليه بواسطة عظم ما أقسم به.
الوجه الرابع: التنويه بحال المقسم به؛ لأنه ما يقسم إلا بشيء عظيم، وهذه فائدة لا تعود إلى تصديق الخبر، بل تعود إلى ذكر الآيات التي أقسم بها تنويهًا لها وتنبيهًا على عظمها، فيكون هذه الفائدة من أين؟ ما هو من أجل تأكيد الخبر فقط، لكن من أجل التنبيه على ما في هذا المقسم به من الدلالة على عظمة الله ووحدانيته وغير ذلك.
فتبين أن القسم إذن به فائدة على كل حال مهما كان، هذه أربعة أوجه يرد بها على من قال: إنه إذا كان الخطاب لمؤمن فلا حاجة للقسم، وإن كان لكافر مكذب لم ينفعه القسم.
وقوله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: ٧٥] بِمَوَاقِعِتقدم لنا أن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه بضمير المفرد وبضمير؟
طلبة: الجمع.
الشيخ: ولا يتحدث؟
طلبة: بالمثنى.
الشيخ: بضمير المثنى أبدًا؛ لأن المثنى محدود محصور باثنين، والواحد يدل على الانفراد، والله واحد سبحانه وتعالى، والجمع يدل على؟
طلبة: العظمة.
الشيخ: العظمة، ما يدل على التعدد، ويدل على التعدد بالقرائن أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ.
الباء هي حرف القسم، وبِمَوَاقِعِجمع موقع، والنُّجُومِاختلف المفسرون فيها؛ فقيل: إنها النجوم المعروفة نجوم السماء، وعلى هذا فيكون مواقعها مساقطها؛ يعني مساقط غروبها، هكذا قال المفسرون.
وربما نقول: ومواقع النجوم أيضًا مطالعها ما هي مساقطها، المساقط والمطالع؛ لأن كلًّا منها موقع، وأقسم الله بها؛ لما تدل عليها من كمال القدرة بهذا الانتظام العجيب البديع، ولما فيها من المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه، وهو القرآن المحفوظ بواسطة..
طالب: (...).
الشيخ: لا، المحفوظ بواسطة الشهب المنطبقة من هذه النجوم، فإن السماء ملئت عند نزول الوحي حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [الجن: ٨]، فيكون هناك مناسبة بين المقسم به والمقسم عليه، هذا على القول بأن المراد بالنجوم نجوم السماء.
وقيل: المراد بالنجوم الآجال؛ يعني آجال نزول القرآن، ومنه قولهم: نزل القرآن منجمًا، ومنه قول الفقهاء: يجب أن يكون دين المكاتب مؤجلًا بنجمين فأكثر، فعلى هذا يكون الله أقسم بمواقع؛ أي مواقيت نزول القرآن.
وقد سبق لنا قاعدة في التفسير: أنه إذا كان المعنيان لا يتنافينان تحمل الآية على كل منهما، وإن كانا يتنافيان.. أيش؟
طالب: الترجيح.
الشيخ: غلب المرجح ورجحنا ما يترجح.
ثم قال الله تعالى مبينًا عظمة هذا القسم: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. (قسم) خبر (إن)، شوف هذا القسم أكَّد الله عظمته بـ(إن) ويش بعد؟
طلبة: اللام.
الشيخ: واللام، إنه قسم عظيم، والتنويه بالمقسم به وتعظيمه تنويه بالمقسم عليه وتعظيمه أو لا؟
لَوْ تَعْلَمُونَهذا مؤكد ثالث بـ(إن) واللام، لكنه على غير الطريق المعهود المألوف في التأكيد؛ لأن قولك: (لو تعلم) كأنه يقول: ينبغي أن تعلم ولا تجهل هذا الأمر، وهو أمر أعظم من أن يكون بسيطًا، بل يحتاج إلى علم وانتباه، ولهذا ما أحسن قول هذه الجملة المعترضة بين قوله: لَقَسَمٌوقوله: عَظِيمٌ؛ يعني: لو تعلم حق العلم لعرفت عظمته فانتبه واعلم، فيكون في هذا توكيد ثالث لهذا القسم، الله أكبر! ما أعظم القرآن شوف: قسم من رب العالمين، وتنويه بهذا القسم وعظمته.
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌهذا المقسم عليه مؤكد بـ(إن) واللام وعظمة القسم المؤكدة بماذا سمعنا؟ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ.
(قرآن) تقدم لنا أنه مصدر؛ مثل: الغفران والشكران، لكنه بمعنى اسم المفعول أو بمعنى اسم الفاعل، قيل: بمعنى اسم المفعول؛ أي مقروء؛ لأنه يقرأ، وقيل: إنه بمعنى اسم الفاعل؛ أي قارئ؛ أي جامع؛ لأن (القرء) بمعنى الجمع، ومنه القرية، سميت بذلك لأنها جامعة للناس الساكنين فيها.
فعليه يكون القرآن جامعًا لكل ما تتضمنه الكتب السابقة من المصالح والمنافع وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨]، كل ما في الكتب السابقة من مصالح ومنافع للخلق في معاشهم ومعادهم فإن هذا القرآن الكريم جامع لها. إذن (قرآن) ويش تقول فيه؟ مصدر بمعنى اسم الفاعل واسم المفعول.
كَرِيمٌالكريم يطلق على عدة معان؛ فيطلق على كثير العطاء، كثير العطاء يقال له: كريم، تقول: رجل كريم. أيش معنى كريم؟
طلبة: كثير العطاء.
الشيخ: كثير العطاء. يطلق على البهاء والحسن، الشيء البهي الحسن يقال: كريم؛ «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» البهية منها والحسن، هذان المعنيان: أحدهما: كمال في الذات، والثاني: كمال في العطاء متعدٍّ للغير، هذان المعنيان موجودان في القرآن ولَّا لا؟
طلبة: موجودان.
الشيخ: موجودان القرآن بذاته لا أحسن منه، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، القرآن فيما يعطي أهله من الخيرات والبركات الدينية والدنيوية الجسمية والقلبية، هذا أمر لا ينكره إلا من مات قلبه.
إذن القرآن في ذاته على أكمل ما يكون من الحسن والبهاء والكمال، وكذلك بالنسبة لما يعطيه أهله من البركة والخير والنفع والمصالح.
قال الله للرسول عليه الصلاة والسلام: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: ٥٢]، القرآن سلاح، وأي سلاح لمن تمسك به! لكن يحتاج إلى أن نتمسك به حقًّا في العقيدة والقول والعمل، ما تكفي العقيدة؛ لأن العقيدة هوية، بطاقة العقيدة الصادقة لا بد أن يصدقها العمل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .
نعود إلى الآية الكريمة، القرآن كريم، كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لكماله في ذاته، ولكثرة خيراته وعطائه لمن تمسك به.
شوف وصف الله القرآن بهذا؛ بأنه قرآن كريم، وفي آية أخرى: مَجِيدٌ [البروج: ٢١]، والمجد صفة العظمة والعزة والقوة، فهو جامع بين الأمرين: قوة، وعظمة، وكذلك خيرات كثيرة متواترة، وإحسان لمن تمسك به إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩].
فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(كتاب) تقدم لنا معناه كثيرًا، وأنه فعال بمعنى؟
طلبة: مفعول.
الشيخ: مفعول، وهذه أبنية معروفة في اللغة العربية يأتي فعال بمعنى؟
طالب: مفعول.
الشيخ: مفعول، مثل: كتاب بمعنى مكتوب، وفراش بمعنى مفروش، كساء بمعنى مكسو، بناء بمعنى مبني، غراس بمعنى مغروس.
مَكْنُونٍ [الواقعة: ٧٨] المكنون: المحفوظ، قال الله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: ٤٩]، هذا الكتاب المكنون اختلف فيه المفسرون على قولين:
أحدهما: أنه اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء.
والثاني: أنه الصحف التي في أيدي الملائكة، كما قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ [عبس: ١١ - ١٥]، فقوله: بِأَيْدِي سَفَرَةٍيرجح أن المراد به الكتب التي في أيدي الملائكة؛ لأن قوله: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ؛ يعني الملائكة، فهو يوازن قوله: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ.
وإلى هذا ذهب ابن القيم رحمه الله؛ أن المراد بالكتاب المكنون هي الكتب التي في أيدي الملائكة، وعلى هذا فيكون المراد بالكتاب هنا الجنس لا الواحد.
وقوله تعالى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَالضمير في قوله: لَا يَمَسُّهُيعود على الكتاب المكنون؛ لأنه أقرب شيء، وهو بالرفع لَا يَمَسُّهُباتفاق القراء؛ اتفق القراء على أنه بالرفع، نبهنا على ذلك لدفع من يقول: إنه خبر بمعنى النهي، ويريدون أن يعود الضمير على القرآن.
وأيضًا القرآن بمعنى المكتوب، وليس القرآن بمعنى المتلو، هم يريدون أن يقولوا: إن هذا خبر بمعنى النهي؛ أن الله نهى أن يمس القرآن إلا طاهر، وليس في الآية ما يدل على ذلك، بل الآية ظاهرة في أن المراد به اللوح المحفوظ؛ لأنه يعود إلى أقرب مذكور، ولأنه خبر، والأصل في الخبر أن يبقى على ظاهره خبرًا، لا أمرًا أو نهيًا، حتى يقوم دليل على أن المراد به الأمر أو النهي، فكيف والدليل هنا على أنه لا يراد به ذلك؛ لكونه يعود على اللوح الكتاب المكنون؟
ثم إن قوله: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَولم يقل: إلا المطهِّرون، المطهَّرون الذين طهرهم الله عز وجل، وهم الملائكة طُهِّروا من المعاصي؛ لقوله تعالى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ [التحريم: ٦]، ولقوله: بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]، ولقوله: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠]، فهم مطهرون من الذنوب وأدناسها وأرجاسها، لو كان المراد بها المتطهِّرون لقال: المطهرون أو المتطهِّرون، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]، وفرق بين المطهَّر وبين المطهِّر؛ المطهِّر يريد أن يفعل الكمال بنفسه، والمطهَّر قد كمله غيره، فبينهما فرق، فالمطهَّرون هم الملائكة، وهذا مما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم؛ أن المراد به الكتب التي في أيدي الملائكة.
ثم إن في الآية الكريمة إشارة، وأظنكم تعرفون دلالة الإشارة والإيماء، الدلالات أنواع: منطوق، ومفهوم، والمنطوق إيماء وإشارة وتنبيه.
في الآية دلالة إشارة وتنبيه على أن من طهر قلبه كان أفهم للقرآن، وأن من تنجس قلبه بالمعاصي كان أبعد فهمًا عن القرآن؛ لأنه إذا كان المحسوس الصحف التي بأيدي الملائكة ما مكَّن الله من مسها إلا هؤلاء المطهرين، فكذلك معاني القرآن ما يصل إلى معانيه ويلمسها ويحسها وينتفع بها إلا من طهرهم الله عز وجل من رجس المعاصي، وهذا أمر معلوم؛ كل إنسان يكون قلبه أصفى وأطهر فإنه يدرك من معاني القرآن ما لا يدركه من دونه.
وتأمل هذا في نفسك، أحيانًا فالإنسان له أحوال، والقلوب لها أحوال إذا صفا القلب ونزه، إذا طهر القلب وصفا فإن الإنسان يصل إلى معاني في القرآن الكريم ما يدركها عند الغفلة والانقطاع، ولهذا ينبغي لكم أنتم بصفتكم طلبة علم إذا حصل لكم مثل هذا الجو الصافي الطاهر، وبدا لكم من الآيات ما يبدو أن تقيدوه قيدوه؛ لأنكم ستنسونه في وقت من الأوقات ويعوزكم هذا الشيء.
فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٥ - ٧٩].
أولًا: قوله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ(...) بنجمين فأكثر، وما أشبه ذلك طيب.
طالب: (...).
الشيخ: يعني معناه أنه لازم يؤجل مرتين -مثلًا- دين الكتاب عشرة آلاف ريال، خمسة تحل بعد ستة أشهر، وخمسة بعد ستة أشهر ثانية.
ما هي المناسبة بين المقسم به (...)؟ لأنه أقرب مذكور، ولأنه قال: الْمُطَهَّرُونَولم يقل: المطهِّرون، ولأنه خبر وليس نهيًا، قال: لَا يَمَسُّهُ، والأصل في الخبر أن يبقى على ما هو عليه.
والذين قالوا: إنه يعود على المصاحف التي بأيدينا، نقول: إنه خبر بمعنى النهي، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، فلهذا الصواب أن المراد به الكتاب المكنون، أما كون المصحف يمسه الطاهر أو ما يمسه، فهذا شيء ينظر في أدلة أخرى.
استنبط شيخ الإسلام من هذه الآية لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩]، استنبط معنًى لطيفًا، ما هو؟
طالب: أن فيه إشارة إلى أنه يستفيد من القرآن، ومن معانيه يكون طاهر القلب من المعاصي.
الشيخ: صحيح.
طالب: وأن المعاصي تحجب عن فهم القرآن.
الشيخ: عن فهم القرآن، صحيح.
طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، إي نعم، وهو كذلك؛ فإن المعاصي كما قال الله عز وجل: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]. من هم اللي ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون؟ هم الذين إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [القلم: ١٥]؛ لأنهم -والعياذ بالله- ما يصلون إلى معانيه وأسراره حتى يستنيروا به، فيقول هذا (...) ما هو شيء؛ لأنهم -والعياذ بالله- رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤].
وذكرنا سابقا أن بعض أهل العلم قال: ينبغي لمن استفتي أن يقدم بين يدي الفتوى الاستغفار لمحو أثر الذنوب من قلبه؛ حتى يتبين له الحق، وأنه استنبطه من قوله: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٠٥، ١٠٦].
قوله تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة: ٨٠]، هذا خبر ثانٍ لقوله: إِنَّهُ، وهو كقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٩٢]، وكقوله تعالى: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [فصلت: ٢، ٣]، فهو خبر مكرر مع قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ أي منزل منه، فـ(تنزيل) مصدر بمعنى: منزل من رب العالمين.
أنزله الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل؛ لقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣]، نَزَلَ بِهِ؛ أي: بالقرآن، الرُّوحُ الْأَمِينُجبريل، عَلَى قَلْبِكَلأنه محل الوعي والحفظ، لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: ١٩٤]، وقوله: مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ أي خالقهم ومالكهم.
وفيه دليل على أن هذا القرآن نازل لجميع الخلق، فيكون فيه دليل على عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. ووجه الدلالة يا إخوان، وجه الدلالة أنه نازل من رب العالمين لمن؟
طالب: للعالمين.
الشيخ: للعالمين، فإذا نزل من ربهم فمعناه أنه هو الحكم بينهم، فيكون في قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَدليل على أن هذا القرآن نازل لجميع البشر، وأنه مكلف به جميع البشر؛ لأنه نزل من ربهم.
وقوله: مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَيفيد أيضًا أن نزول القرآن من كمال ربوبية الله عز وجل، فإذا أضفت مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَإلى الآية الثانية تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ [فصلت: ٢، ٣] علمت أن هذا القرآن رحمة أو لا؟ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِلأجل أن يرحم به العباد، فهو إذن رحمة، وهو من كمال ربوبيته سبحانه وتعالى.
واعلم أن ربوبية الرب سبحانه وتعالى كلها مبنية على الرحمة، وإذا شئت أن تعلم ذلك فاقرأ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، ويش بعده؟
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ٣]، فدل هذا على أن ربوبيته مبنية على الرحمة سبحانه وتعالى، وأن كل ما أمر به العباد فهو رحمة بهم..
قال: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة: ٨٠]، لما بيَّن أنه تنزيل من رب العالمين، استدل العلماء -أهل السنة والجماعة- بهذه الآية على أن القرآن كلام الله. ويش وجه الدلالة؟
طالب: الإضافة.
الشيخ: يعني قال: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّوهو كلام، القرآن كلام، كل يعرف أنه كلام ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولا جسم جاء ونزل كلام يقرأ، فإذا كان الله هو الذي أنزله، إذن فهو كلامه سبحانه وتعالى منزل، كما قال السلف رحمهم الله. وهو مخلوق ولَّا غير مخلوق؟
طلبة: غير مخلوق.
الشيخ: غير مخلوق؛ لأنه من صفاته، وصفات الله عز وجل غير مخلوقة، كل صفات الله حتى الصفات الفعلية ما يجوز أن أقول: مخلوقة، وإن كانت هي تحدث، لكنها ليست مخلوقة، بل هي فعله وليست خلقه؛ لأن الخلق مفعول وليس فعلًا، أو لا؟ الخلق مفعول وليس فعلًا، فمثلًا السماوات نقول: إنها خلق الله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: إنها خلق الله؛ أي مخلوقة، فهي مخلوقة، لكن نفس إيجادها ماذا نقول فيه؟ نفس الإيجاد والتكوين نقول: هو فعل الله، وفعل الله غير مخلوق، فصفات الله الفعلية والذاتية كلها غير مخلوقة، وكذلك القرآن كلام الله عز وجل هو غير مخلوق، بل هو منزل.
فإذا قال قائل: هل كل منزل غير مخلوق؟ الجواب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن كل منزل يكون وصفًا مضافًا إلى الله فهو غير مخلوق، وإلا فقد قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد: ٢٥] والحديد مخلوق، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الأنعام: ٩٩] والمطر مخلوق، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦] والأنعام مخلوقة، لكن إذا كان المنزل من عند الله عز وجل صفة لا تقوم بذاتها وإنما تقوم بغيرها لزم أن يكون ذلك المنزل غير مخلوق؛ لأنه صفة الله عز وجل.
ثم قال تعالى: أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [الواقعة: ٨١] أم شرحنا هذه الآية.
طالب: (...).
الشيخ: أي آية؟
طالب: العالمين (...).
الشيخ: الملائكة.
طالب: (...).
الشيخ: الملائكة، كل شيء، كل ما سوى الله فهو عالم.
طالب: شيخ، بالنسبة للرحمة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ» ، هل المراد بها الرحمة الصفة أم رحمة (...)؟
الشيخ: لا، الرحمة المخلوقة؛ يعني أنزل رحمة من رحمتك على هذا الوجع، المراد آثارها.
وقوله: أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ [الواقعة: ٨١] الاستفهام ذكرنا أنها للإنكار والتوبيخ، وقوله بهذا الحديث المشار إليه؟
طلبة: القرآن.
الشيخ: القرآن. أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [الواقعة: ٨١] ما معنى المدهن؟ المدهن الخائف من غيره الذي يحابيه في قوله وفعله؛ يعني: أتدهنون بهذا الحديث وتخافون وتستخفون؟ لا ينبغي لكم هذا، بل ينبغي لمن معه القرآن أن أيش؟
طلبة: يصدع به.
الشيخ: أن يصدع به، وأن يبينه، وأن يظهره، وأن يجاهد به وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: ٥٢]، لا يدهن به.
أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٨١، ٨٢] وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْماذا قلنا في رِزْقَكُمْ؟ قلنا: إنه على حذف مضاف عند أكثر المفسرين؛ أي شكر رزقكم؛ أي ما أعطاكم الله من أي شيء؟
طلبة: من المطر.
الشيخ: من المطر، ومن إنزال القرآن؛ لأن الآيات في سياق إنزال القرآن؛ يعني: تجعلون شكر هذه النعمة العظيمة أن تكذبوا بها؟! فهو وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام ذكرها في المطر فإنها تشمل ذلك وغيره، حتى الرزق الذي رزقنا الله عز وجل من هذا الوحي العظيم.
من الناس من جعل هذا الرزق، ويش جعله؟ تكذيبًا، ومنهم من قال: إن الآية ليس فيها حذف، وإن المعنى: تجعلون شكركم تكذيبًا، وقال: إن الشكر رزق، وهذا صحيحٌ أن الشكر رزق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، من أكبر الأرزاق، ولهذا يقول الشاعر:
| إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً | عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُّ الشُّكْرُ |
| فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ | وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ |
إذا أنعم الله عليك نعمة فهذه نعمة، ثم إذا شكرتها فهي نعمة أخرى، هذه النعمة الأخرى تحتاج إلى شكر ثانٍ، إذا شكرت ثانية فهو نعمة تحتاج إلى شكر ثالث، وهكذا أبدًا، ولهذا يقول الله عز وجل:
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤].
فالإنسان لو كان ليلًا ونهارًا بقدر أنفاسه ولحظاته يشكر الله ما بلغ نعمة الله، ولهذا ذكر الشاعر هذا المعنى بقوله:
| فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ | وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ |
ليت عندنا وعي أهل الجاهلية!
طالب: (...).
الشيخ: أعوذ بالله، هذه نعمة الوعي يقولون: أهل الجاهلية يجيء الإنسان يقول القصيدة مئة بيت، فإذا انصرف وإذا الناس قد حفظوها، عندنا الواحد..
طالب: أقول: البلد ما فيها خير.
الشيخ: لا، واللي فيها خير، المهم أن الوعي والحفظ هبة من الله عز وجل، لكن أنا أتعجب -سبحان الله- كيف أن حفظنا ساء إلى هذا الحد بالنسبة للأزمنة المتأخرة! الإنسان منا لو سألته عما فعله بالأمس قام (...).
الحاصل أن الآية الكريمة
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ [الواقعة: ٨٢] أن بعض أهل العلم يقول: لا تحتاج إلى تقدير مضاف، بل المعنى:
تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ؛ أي شكركم، والشكر رزق.
وقوله:
أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَهذه (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول (تجعلون) الثاني؛ أي: تصيرون شكركم تكذيبًا.
ولا شك أن هذا من السفه؛ أن يقابل الإنسان نعمة ربه بالتكذيب، إن كانت وحيًا كذب خبره ولم يمتثل أمره ولم يجتنب نهيه، وإن كان عطاء رزقًا تنمو به الأجسام نسبه إلى غير الله وقال: هذا من النوء، أو قال: هذا من عملي، مثلما قال قارون:
إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨]، نسأل الله السلامة والعافية.
انتهى الكلام على هذه الآيات العظيمة، وهي عظيمة جدًّا لمن تأملها، وينبغي لنا دائمًا أن نتأمل القرآن الكريم؛ لأن فيه من المعاني العظيمة ما ينشرح به الصدر ويجلو الهم، ولنحرص عليه غاية الحرص؛ لأنه كلام الله عز وجل، أنا أعتقد -ولله المثل الأعلى- لو أن ملكًا من الملوك أصدر مرسومًا تجد حاشيته والذين يحبونه ماذا يصنعون بهذا المرسوم؟ يكررونه وينظرونه ويشرحونه، بل لو أنك درست كتاب طب، تدرس أنت ودك تكون طبيبًا، ودرست كتاب طب تعبر كلماته عبورًا ولا تبحث عن معناها وتسأل. أيهم؟ الأخير، فكلام الله عز وجل أعظم أن يعتنى به ويحرص عليه.
يقول المؤلف: (
فيه مسائل: المسألة الأولى تفسير آية الواقعة) وهي..
طالب: وتجعلون.
الشيخ: وهي المؤلف يقول، وقول الله:
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٨٢]، وقد علمناها والحمد لله.
(
الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية) يعدها لنا..
طالب: الأربع.
الشيخ: إي، اللي من أمر الجاهلية.
طالب: الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه.
الشيخ: لو ما قرأت الحديث عدها.
طالب: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم.
الشيخ: نعم، هذه أربعة، الشاهد منها للباب؟
طالب: الشاهد الاستسقاء بالنجوم.
(
الثالثة: ذكر الكفر في بعضها) أيهم؟ ذكر الكفر في بعضها في بعض، الأربع ذكر في بعضها أنه كفر. أيش بعد؟
طالب: النياحة.
الشيخ: إي، هذه واحدة، طيب.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا وعيد وليس إطلاق كفر، طيب المهم إذن الاستسقاء بالأنواء على كلام الباب اللي معنا ما ذكر إلا الاستسقاء بالأنواء.
(
الرابعة: أن من الكفر ما لا يُخرج عن الملة). من أين يؤخذ؟
طالب: قوله:
«أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ».
الشيخ: إي. والمراد بالكفر هنا؟
طالب: الذي لم يخرج عن الملة.
الشيخ: الذي لا يخرج عن الملة طيب.
وقد ذكرنا أن الاستسقاء بالأنواء أظنه بعضه كفر، وبعضه ما هو بكفر.
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب ويش ذكرنا؟
طالب: ذكرنا أنه من جعل الاستسقاء بالأنواء سبب؛ يعني الاستسقاء بالأنواء سبب (...).
الشيخ: (الخامسة: قوله: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» بسبب نزول النعمة). من أين يؤخذ؟ يعني يجب أن الإنسان يتفطن للإيمان في هذا الموضع إذا جاءته النعم، فلا يضيفها إلى أسبابها مجردة عن الله، بل يعتقد أن هذا سبب محض، إذا كان حقًّا سببًا فليجعله سببًا، لكن يجعله سببًا محضًا.
مثال ذلك: رجل سقط في ماء يغرقه، فيسر الله سبحانه وتعالى له من ينتشله منه..